اسماعيل بن محمد القونوي

22

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الخ قيل الظاهر أن المصدر مضاف إلى الفاعل أي بيان إحداث الرياح للإثارة فيكون إسناد الإحداث إلى الرياح مجازا لكونها سببا لإحداث اللّه تعالى وهذا يوافق قوله ولذلك أسند على الحكاية للحال الماضية لأن المراد بيان أن اللّه تعالى أحدث الرياح لأجل هذه الخاصية التي هي إثارة السحاب ودلالة صيغة المضارع على هذا المعنى من حيث إنها تفيد أن الرياح تفعل من الإثارة ما يشاهده كل أحد الآن والمعنى اللّه الذي أحدث الرياح لأجل هذه الخاصية التي ترى الآن وهي إثارتها السحاب أي أحدث الرياح فثير سحابا كما تراه الآن ومعنى العلية مستفاد من الفاء التسبيبية في فتثير ومعنى التسبيب وإن كان موجودا في التعبير بعبارة الماضي لكن يفوت فيه معنى الإشارة والإشارة تكون في الحاضر وتمام التحقيق ما قاله صاحب المفتاح في بحث لو حيث قال وأما كلمة لو فحين كانت لتعليق ما امتنع بامتناع غيره على سبيل القطع كما تقول لو جئتني لأكرمتك معلقا لامتناع إكرامك بما امتنع من مجيء مخاطبك امتنعت جملتاها عن الثبوت ولزم أن تكونا فعليتين والفعل ماض واستلزم في مثل قوله عز اسمه وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ السجدة : 12 ] ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم تنزيل المستقبل نظما له في سلك المقطوع به لصدوره عمن لا خلاف في أخباره منزلة الماضي المعلوم في قولك لو رأيت على نحو تنزيل يود منزلة ود في قوله تعالى : رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الحجر : 2 ] في أحد قولي أصحابنا البصريين واستلزم في مثل قولك لو تحسن إلى لشكرت القصد بتحسن إلى تصويران إحسانه مستمر الامتناع فيما مضى وقتا فوقتا على قصد الاستمرار حالا فحالا بيستهزىء في قوله عز اسمه اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ [ البقرة : 15 ] بعد قوله : قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ [ البقرة : 14 ] وبيكسبون في قوله فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون وقوله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتتم وارد على هذا أي يمتنع عنتكم باستمرار وامتناعه عن طاعتكم ولك أن ترد الغرض من لفظ ترى ويود وتحسن إلى استحضار صورة المجرمين ناكسي الرؤوس قائلين بما يقولون وصورة الظالمين موقوفين عند ربهم متقاولين بتلك المقالات واستحضار صورة وداد الكافرين لو أسلموا واستحضار صورة الإحسان كما في وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً [ فاطر : 9 ] فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [ فاطر : 9 ] إذ قال فتثير استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الربانية من إثارة السحاب مسخرا بين السماء والأرض متكونا في المرىء تارة عن قزع تبدو كأنها قطع قطن مندوف ثم تنضام متقلبة بين أطوار حتى يعدن ركاما وأنه طريق للبلغاء لا يعدلون عنه إذا اقتضى المقام سلوكه أو ما ترى تأبط شرا في قوله : بأني قد لقيت القول تهوى * بسهب كالصحيفة صحصحان فاضربها بلا دهش فخرت * صريعا لليدين وللجران كيف سلكه في فاضربها بلا دهش قصدا أن يصور لقومه الحالة التي تشجع فيها بضرب الغول كأنه يبصرهم إياها وتطلعهم على كنهها ويتطلب منهم مشاهدتها تعجيبا من جرأته على كل هول وثباته عند كل شدة . قوله : ولذلك أسنده إليها أي ولأن المراد بيان إحداثها لهذه الخاصية التي هي إثارة السحاب أسند اللّه الإثارة إلى الرياح ولم يسند الأفعال الباقية من الإرسال والسوق والإحياء إليها بل أسند تلك الأفعال إلى ذاته تعالى .